أبو المعالي اللمؤيد بن محمد الجاجرمي
180
نكت الوزراء
عرض المكتوب بحضرتنا وقد مضى العجب من مضمونه ومن أمور جرت بخلاف المعهود من حصافة هذا الأمير وسداد رأيه يدري كيف يصوّر له الخطأ بصورة الصواب وكيف أتى الأمور من غير ما نهى وأورد نفسه ومخدومه موارد خدمته ومصادرها وعقباها . وكيف أشبه عليه أنه لا يسوغ الاستمداد والاستنجاد من جهة بينها وبين عداوة الدين وعداوة الدنيا فهي أن المملكة التي بيده والخطة التي تحت قدمه منتزعتان من تلك الجهة انتزاع الحدقة من العين ومقتطعتان منها اقتطاع القلب من الصدور مع هاتين العداوتين كيف استجار العقل ما أورده ولم يصدره وأفسده ولم يصلحه . فلا جرم أنه أخباه ما تضمّن كل هوان ومذلة أولاه كل صغار ومذمّة واحتجوا عليه بهذا الذي نقمناه نفسه وكتبوا في جوابه أنه لا وجه في نصرتكم إلا بعد الدخول في ديننا والانحياز إلى جملتنا والالتحاق بجماعتنا والاعتصام بحكمنا وطاعتنا ثم صرخوا بأنه لم يكن ليجنب عن هذا الكتاب إلا بسبب سفارة هذا القاضي وتشدده في نحر الجواب فصار الرسول شفيعا للمرسل في معرض المتوسل وما يعرف وراء هذا الاستحقاق شيء ولا هذا الجوى هدى ثم دع عنك حديث الخطاب الذي خوطب به وأخرجوا من منصب ملكه المورث وسكبوه لباس مجده القديم ومنه وهل ظهر مراتب الرجال وعزائم ذوي الرأي وحزائم الشجعان واستبصار الأديان إلا في مثل هذا الموقف الدحض والمقام المزل بل هو إلا النار دون العار والقبر والصدر ولولا الصبر على هول الموت لما بان الكمي من الجبان ولا افتخر الشجاع المشبع على النكس والهوان وإلى [ 78 أ ] أين ذهب عن قوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ . وأنّى مما ذهب عند الله وخيرات معاملته وأرباح مناجزته ومبايعته وهلا ذكر قول الشاعر : وقد كان فوت المرء يسهل فرقه * إليه الإناء المر والخلق الوعر فأثبت في مستنقع الموت رجله * وقال لها من تحت أخمصك الحشر